الغزالي
516
إحياء علوم الدين
فأنى تنكشف له المعاني ؟ وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعا لمثل هذا التلبيس ثانيها : أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الانباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة ، فهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده ، فصار نظره موقوفا على مسموعه فان لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال : كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك ؟ فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله ، ولمثل هذا قالت الصوفية إن العلم حجاب ، وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد ، أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب وألقوها إليهم ، فأما العلم الحقيقي الذي هو الكشف والمشاهدة بنور البصيرة فكيف يكون حجابا وهو منتهى المطلب ؟ وهذا التقليد قد يكون باطلا فيكون مانعا : كمن يعتقد في الاستواء على العرش التمكن والاستقرار ، فان خطر له مثلا في القدّوس أنه المقدس عن كل ما يجوز على خلقه لم يمكنه تقليده من أن يستقر ذلك في نفسه ، ولو استقر في نفسه لا نجرّ إلى كشف ثان وثالث ، ولتواصل ، ولكن يتسارع إلى دفع ذلك عن خاطره لمناقضته تقليده الباطل ، وقد يكون حقا ويكون أيضا مانعا من الفهم والكشف لأن الحق الذي كلف الخلق اعتقاده له مراتب ودرجات ، وله مبدأ ظاهر وغور باطن وجمود الطبع على الظاهر يمنع من الوصول إلى الغور الباطن كما ذكرناه في الفرق بين العلم الظاهر والباطن في كتاب قواعد العقائد ثالثها : أن يكون مصرا على ذنب أو متصفا بكبر ، مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع فان ذلك سبب ظلمة القلب وصداه وهو كالخبث على المرآة فيمنع جلية الحق من أن يتجلى فيه وهو أعظم حجاب للقلب ، وبه حجب الأكثرون . وكلما كانت الشهوات أشد تراكما كانت معاني الكلام أشد احتجابا ، وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرب تجلى المعنى فيه ، فالقلب مثل المرآة ، والشهوات مثل الصدأ ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة ، والرياضة للقلب باماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرآة ، ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إذا عظَّمت أمّتى الدّينار والدّرهم نزع منها هيبة الإسلام ، وإذا تركوا الأمر بالمعروف